السيد محمد تقي المدرسي

64

في رحاب بيت الله

إن النية هي التعرف والوصول إلى حقيقة الفعل ، ومن دونها لن يكون لهذا الفعل محتوى . وما سمعتموه من الخطباء وتوجيه العلماء أو قرأتموه في طيات الكتب يمثل شيئاً بسيطاً بالنسبة إلى عظمة مناسك الحجّ ، هذه الفريضة الإلهية والرحلة القدسية ، فهل تدرون ما تفعلون حيث تعرجون إلى الله عز وجل ؟ فأنتم ضيف الله الكريم ، وقد اختاركم من بين مئات الملايين من المسلمين ، وهذا الاختيار من المؤكد أن يكون وراءه حكمة عظيمة متعالية ، فهل لكم أن تعرفوا قيمة أنفسكم ولماذا تحجون وكيف تعكسون مردود هذا الحج على مفاصل حياتكم ؟ ؟ المغفرة والهدى يعتقد علماء المسلمين أن الوقوف في عرفة يجسد نقطة الأوج في حركة الحاج ، ويعتقدون أيضاً أن السر في تسمية عرفة بهذا الاسم يعود إلى وصول الحاج معرفة نفسه ، وبالتالي توصله إلى معرفة ربه - كل حسب درجته - وذلك بعد أن اختزل في داخله معاني المناسك التي أداها في الأيام والأفعال السابقة . أما تلك المعرفة لن تتأتّى لأحد ما لم يتنازل الإنسان عن ذاتيته وأنانيته في مقابل تسليمه الله تعالى والتمسك بدين الله ، حيث يهجر الهوى الذي يحجبه عن الله ، وقد جاء في الحديث : " أن أقرب ما يكون العبد إلى الله حين السجود " « 1 » نظراً إلى أن الساجد قد وضع أشرف وأكرم ما لديه وهو جبهته - على الأرض عنواناً للخضوع والانصهار والعبودية وهجران الذات . فهو يرغم أنفه على الخضوع والاقتراب إلى الله . وكذلك الوقوف في عرفات ، حيث يتجرد

--> ( 1 ) - بحار الأنوار ، ج 79 ، ص 233 .